السيد محسن الأمين

237

أعيان الشيعة ( الملاحق )

( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ . يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها ) . ومما يرشد إلى التقية قوله تعالى : ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ كفروا فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) . وقال رسول الله ( ص ) بعثت بالحنيفية السمحة السهلة . وروى ابن سعد في الطبقات الكبير بسنده ان أبا بكر كان ردف النبي ( ص ) بين مكة والمدينة وكان أبو بكر يختلف إلى الشام فكان يعرف وكان النبي ( ص ) لا يعرف فكانوا يقولون يا أبا بكر من هذا الغلام بين يديك فيقول هذا يهديني السبيل . وبسنده ركب رسول الله ( ص ) وراء أبي بكر ناقته فكلما لقيه إنسان قال من أنت قال باغ ابغي قال من هذا وراءك قال هاد يهديني فقد روى أبو بكر بما يظهر منه انه يفتش على ضائع ضاع له وان النبي ( ص ) دليل يدله على الطريق وهذا نوع من الكذب لأجل الخوف أقره عليه النبي ( ص ) ولم ينهه عنه . والتورية لا ترفع الكذب ولهذا لا تجوز في اليمين لفصل الخصومة . وحكى اليعقوبي في تاريخه وغيره انه لما جاء بسر بن أبي أرطاة بجيشه إلى المدينة وطلب جابر بن عبد الله قال جابر لام سلمة اني خشيت ان اقتل وهذه بيعة ضلال فقالت إذا تبايع فان التقية حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلب ويحضرون الأعياد مع قومهم . وفي ميزان الاعتدال : قال مصعب عن الدراوردي لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر امر بني العباس . فلما ذا لم يرو مالك امام المذهب عن جعفر الصادق في ملك بني أمية وكتم علمه الذي يرويه عن جعفر حتى ظهر امر بني العباس هل كان داعيه إلى ذلك الا الخوف والتقية فهل كان مالك أخوف على نفسه من بني أمية وهو لا يظهر عداءهم ولا يظهرون عداءه من الباقر الذي يعادونه ويسبون جده على المنابر . وقد قال إبراهيم ع لقومه إِنِّي سَقِيمٌ ولم يكن سقيما وامر يوسف فنودي أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ولم يكونوا سارقين و قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ ولم يفقدوه فإذا جاز الكذب لأنبياء الله تعالى لمصلحة لا تبلغ حفظ النفس أفلا يجوز الكذب بعمل أو قول تقية لحفظ النفس ولما عزز الله رسولي عيسى إلى أهل أنطاكية بشمعون الصفا أظهر شمعون أولا انه منهم حتى توصل إلى مراده . والحاصل ان الاضطرار يبيح الحرمات بضرورة شرع الإسلام فيحل للمضطر أكل الميتة لحفظ حياته ويحل لمس بدن الأجنبية لانقاذها من الغرق ويسوغ الكذب وهو من الكبائر لمصلحة لا تبلغ الاضطرار كالاصلاح بين الناس ويجب لحفظ نفس محترمة إلى غير ذلك مما لا يحصى وليست التقية الا نوعا من الضرورات لحفظ الدم والمال والعرض . ومن العجيب ان خصومنا يتقون إذا ابتلوا بما دون الخوف على النفس ويشنعون علينا إذا اتقينا عند الخوف على أنفسنا . وقد أجاب عن الاستدلال بالآية الأخيرة فقال في ص ( 80 ) قيل عند الباقر ان الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم تؤذي ريح بطونهم أهل النار فقال الباقر فهلك إذا مؤمن آل فرعون . ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا فليذهب الحسن يمينا وشمالا لا يوجد العلم الا هاهنا - وأشار إلى صدره « 1 » امام الأئمة الحسن البصري يقول إن النبي لم يترك لامته سوى ما في أيدي الناس . وقد كذب كذبا من يدعي ان عنده من علوم النبي وإسراره ما ليس في أيدي الناس وكذلك يكذب من يدعي انه يظهر من ذلك ما يشاء ويكتم ما يشاء . وأراد الباقر ان يرد قول الحسن البصري بان الكتمان عند التقية طريقة مستمرة من زمن نوح إلى الآن وان مؤمن آل فرعون قد كتم 237 بنص القرآن الكريم ويدعي الباقر ان أكثر المعارف والشرائع لا يوجد الا في صدره وأن التقية والكتمان من دينه ودأبه ولا أرى الا ان ما أسند إلى الباقر موضوع . ولم يضعه الا جاهل لان مؤمن آل فرعون لم يكتم العلم وانما كتم ايمانه وبث علمه بتفصيل ذكره القرآن الكريم في آية 18 من سورة غافر والآيات ظاهرة في رد ما يدعيه الباقر وتدل على بطلان التقية دلالة قطعية والآية الأخيرة ( فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ) نص في أنه ما نجا الا بتركه التقية ولو اتقى لكان أول ما دخل في قول الله وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ . وقال في ص 81 عجيب مستبعد ان كتب الشيعة ترفع إلى اعلم الأئمة قولا لا يمكن صدوره الا من أجهل جاهل ثم تفتخر ومؤمن آل فرعون إذ يكتم ايمانه من آل فرعون لا يتقي بالكتم بل يقتوي به إلى سماع كلماته الناصحة الهادية ولو أظهر لكان قولا من عدو يدعوهم إلى تبديل الدين أو ان يظهر في الأرض الفساد فالكتم في مثله اقتواء وليس باتقاء . ( ونقول ) الحسن البصري كان - كما وصفه بعض أئمة أهل البيت - يجاري كل فرقة ويتصنع للرئاسة والإمام الباقر لما علم أنه كان يرى نفسه في غنى عن علم أهل البيت رد قوله هذا بأقوى حجة فإنه لما أطلق ذم كاتم العلم مع الخوف وعدمه رد عليه بكتمان مؤمن آل فرعون ايمانه فإذا عذر كاتم الايمان لخوفه . فبالحري ان يعذر كاتم العلم مع أن كتمان الايمان لا يتم الا بإظهار الكفر بخلاف كتمان العلم فإنه يكفي فيه السكوت وستعرف ان كتمان الايمان يلزمه كتمان العلم وبين انه وان ادعى الاستغناء عن علم أهل البيت فلن يجد العلم الا عند أهل البيت ورثة علوم جدهم الرسول ( ص ) ، وحق له ان يقول ذلك وقد سماه جده الرسول باقر العلم فليذهب الحسن البصري - سواء أأسماه امام الأئمة أم لا - وغير الحسن البصري وموسى جار الله وراءهم يمينا وشمالا وشرقا وغربا وبرا وبحرا واين شاءوا فلن يجدوا العلم الصحيح الا عند أئمة أهل البيت مفاتيح باب مدينة العلم ووارثي علم جدهم الرسول ( ص ) ، ولا يستحق أحد ان يسمى امام الأئمة غيرهم على أنه قد حكى فيما مر عن السرخسي عن الحسن البصري ان التقية جائزة إلى يوم القيامة فكيف يستشهد بكلامه هنا على نفي التقية . وقد كذب كذبا من يدعي ان النبي ( ص ) لم يترك لامته سوى ما في أيدي الناس الذين أخذوا بآراء الرجال التي تخطئ وتصيب وبالمقاييس واعرضوا عن علوم آل محمد الذين جعلوا شركاء القرآن وأحد الثقلين لا يضل المتمسك بهم ومثل باب حطة وسفينة نوح والذين أمروا بان يتعلموا منهم ولا يعلموهم وان لا يتقدموهم ولا يتأخروا عنهم والذين قولهم وحديثهم ( روى جدنا عن جبرئيل عن الباري ) . ولا نظن أن نسبة هذا الكلام إلى الحسن البصري صحيحة فهو في علمه ومعرفته لم يكن لينكر ان أهل البيت اعلم الناس في زمانهم وان عندهم ما ليس عند الناس وان نسب اليه الانحراف عن علي ع وحكي عنه انكار ذلك . وكيف كان فكلامه ليس وحيا لا سيما ان خالف المنقول والمشاهد . وبما ذا علم موسى جار الله ان علوم النبي وإسراره أحاط بها من عدا أهل البيت ولم ينفرد أهل البيت بشيء منها ما هو الا التخرص على الغيب وعدم إنزال أهل البيت بالمنزلة التي أنزلهم الله بها . واما قوله ويكذب كذبا من يدعي انه يظهر من ذلك ما يشاء ويكتم منه ما يشاء فليس أحد أحق بالكذب والافتراء منه في هذا القول . فلا يكتم الا ما يخاف من إظهاره يكتمه عمن يعلم أنه لا يقبله أو يخاف شره على نفسه ولا

--> ( 1 ) وأشار إلى صدره ليس في الرواية - المؤلف - .